الجمعة، 20 يونيو 2014

ما بين هلوسة وفلسفة !

يتساقط كبرياء ذلك الجسد المعاند أمام زحف كائنات لا ترى بالعين المجردة ,فتدك حصونه المنيعة وتتركه طريح الفراش !
أستيقظ مبكرا نسبيا لكنى لا أبرح الفراش ,أبقى هكذا اتأمل سقف الغرفة تارة ,النافذة المشرعة تارة ,وأعبث فى الجوال بلا هدف.
تمر سويعات بطيئة ,يفتك الألم بأحشائى ,تدخل أمى وقد شغلها الهدوء الغير المعتاد لهذا اليوم ,فأطمنئها بأنه لا شئ خطير,مجرد إنهاك أسبوع صعب فى العمل , كنت فى أشد حاجتى للتعلق بها بشدة والنوم بين ذراعيها هربا من الألم ,ولكن الآن وأصبح ما يفصلنى عن الخامسة والعشرين مسيرة شهور قليلة ,أصبح ذلك طلبا صعب المنال!

تمر الدقائق رتيبة فى رحلتها لتصبح ساعات,أسأم من هذا المشهد الداعى للرثاء ,فأهاتفك ,أعتذر عن عدم استطاعتى القدوم للقيام بجولتنا المخطط لها مسبقا لإبتياع بعض الكتب , أخبرك بنيتى فى الذهاب إلي ذلك المقهى رقيق الحال ,المطل على النهر الحزين -ندخل فى سجالا هاتفيا عما إذا كان النيل فى الأصل حزينا ,أم أنه فقط مرأة ترى فيها ما بداخلك!, نصل -كالعادة- إلي اللامكان ,تنتهى المكالمة ويكون الإتفاق أن نلتقى هناك فى الخامسة وسبع دقائق !

أصل أولا لقربى النسبى من المكان ,دقائق معدودة وأراك قادما,متحفزا,راسما بكل ما أوتيت من تعبيرات مساعدة ذلك السؤال الذى توقعته مسبقا;
لماذا الخامسة وسبع دقائق بالتحديد؟
-فتكون إجابة متوقعة أيضا ,ولما لأ !
لما يحددنا هؤلاء الأناس وفق اهوائهم بمسلماتهم العقيمة ,لماذا هى دائما الخامسة ,او الخامسة والنصف .بينما يقبع كل السحر في التفاصيل المهملة !
تنظر إلي تلك النظرة ,التى بت أعتادها,نظرة إيثار السلامة العقلية بدلا من الجدال مع مختلة مثلي.

تجلس أخيرا ,فأعتذر عن مظهرى الرث ,موضحة بإيجاز أسبابه , تعلق مازحا بأنه لا بأس , فقد أعتدت على ذلك منى ,لا أحاول الدفاع عن نفسى ها هنا ,أخبرك بإيجاز أن الكلام فى هذه الحالة فى حد ذاته مؤلم ,وأننى سآخذ جانب الصمت هذا المساء,فعليك أنت القيام بعبء الكلام .تلمع عيناك كطفل وجد ضالته وتشرع فى شرح بعض نظرياتك الفلسفية , والتى تعلم جيدا أنى لو كنت أتمتع بقليل من لياقة,لدخلت معك سجالا عنيفا بشأنها.

أجلس مستمتعة بقدرتك المتفردة فى نقل دفة الحوار من أقصى اليمين إلي أقصى اليسار ,حتى تسأم من ذلك الأداء الفردى الأليف ,فتقترح أن نستمع لفيروز , أوافق على أن يكون الإختيار على الحياد.
يسود صمت محبب ,وقد انكسرت حدة الشمس ,تنتهى الأغنية ,فيدفعنى ما يجول بذهنى إلي الكلام
أتحدث عن حيرتى الأبدية عن إدراك ومحاولة تفسير هذا الصوت "المعجزة" !

عن "عاصى" و"فيروز" !
عن الحكايا التى تكسب المعتاد روحا !
عن حكاية "سألونى الناس" ,الأولى التى تشدو بها فيروز دون وجود "عاصى" بجوارها داعما مراقبا مؤمنا ,تلك التى كتبها "منصور" الشاهد على ميلاد الحكاية ,ولحنها "زياد" وهو ما زال فى السابعة عشر بعد , والتى يعبر فيها ثلاثتهم عن إفتقادهم ل "عاصى" الذى كان يعانى وعكة صحية , فجاءت معبرة تماما ,تحمل من أمنياتهم ومشاعرهم ما يكفى من وجع , رغم ما يبدو من بهجة ظاهرة فى لحنها !
لتأتى "غمضت عيونى ,خوفى للناس ,يشوفوك مخبى بعيونى ,وهب الهوا ,وبكانى الهوا ,لأول مرة ما بنكون سوا" !
الأكثر وجعا ووجدا !
أكتفى بهذا القدر من الفلسفة محاولة التظاهر بعكس ما يعتصر وجهى من ألم , أمام تظاهرك بعدم الملاحظة ,انت الذى طالما أربكتنى بإنتباهك للتفاصيل.
تدنو الشمس من الغروب الآن ,وقد نضبت محاولات جسدى فى المعافرة , وهكذا أقرر صاغرة الذهاب ,استقل سيارة الأجرة على مضض, فكيف لهذا الرأس الذى لا يستطيع التوازن واقفا المشى هذه المسافة الآن!

أعود إلي فراش ,لم أبرحه فى الأصل, أهرب من ذلك الألم مع ذلك الهدير القادم من الجوال ,لتبقى "فيروز" رفيقتى الوفية لهذا اليوم ,
فاللهم دم الخيال نعمة,واحفظها من الزوال !



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

رأيك ؟!
:)

رأيك مهم وربنا ..ايه رأيك ؟!